الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
75
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 45 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 45 ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 ) كان أعظم حائل بين المشركين وبين النظر في أدلة الإسلام انهماكهم في الإقبال على الحياة الزائلة ونعيمها ، والغرور الذي غر طغاة أهل الشرك وصرفهم عن إعمال عقولهم في فهم أدلة التوحيد والبعث كما قال تعالى : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [ المزمل : 11 ] ، وقال : أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ القلم : 14 - 15 ] . وكانوا يحسبون هذا العالم غير آيل إلى الفناء وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : 24 ] . وما كان أحد الرجلين اللذين تقدمت قصتهما إلا واحدا من المشركين إذ قال : وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً [ الكهف : 36 ] . فأمر اللّه رسوله بأن يضرب لهم مثل الحياة الدنيا التي غرتهم بهجتها . والحياة الدنيا : تطلق على مدة بقاء الأنواع الحية على الأرض وبقاء الأرض على حالتها . فإطلاق اسم الْحَياةِ الدُّنْيا على تلك المدة لأنها مدة الحياة الناقصة غير الأبدية لأنها مقدر زوالها ، فهي دنيا . وتطلق الحياة الدنيا على مدة حياة الأفراد ، أي حياة كل أحد . ووصفها ب ( الدنيا ) بمعنى القريبة ، أي الحاضرة غير المنتظرة ، كنى عن الحضور بالقرب ، والوصف للاحتراز عن الحياة الآخرة وهي الحياة بعد الموت . والكاف في قوله : كَماءٍ في محل الحال من ( الحياة ) المضاف إليه ( مثل ) . أي اضرب لهم مثلا لها حال أنها كماء أنزلناه . وهذا المثل منطبق على الحياة الدنيا بإطلاقيها ، فهما مرادان منه . وضمير لَهُمْ عائد إلى المشركين كما دل عليه تناسق ضمائر الجمع الآتية في قوله : وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ - وَعُرِضُوا - بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً [ الكهف : 47 - 48 ] . واختلاط النبات : وفرته والتفاف بعضه ببعض من قوة الخصب والازدهار . والباء في قوله : ( به ) باء السببية . والضمير عائد إلى ( ماء ) أي فاختلط النبات بسبب الماء ، أي اختلط بعض النبات ببعض . وليست الباء لتعدية فعل فَاخْتَلَطَ إلى المفعول